RSS

عراقيو المهجر تابعوا إعدام صدام عبر شاشات الكومبيوتر. شكرا للبالتوك!

07 يناير
عراقيو المهجر تابعوا إعدام صدام عبر شاشات الكومبيوتر شكرا للبالتوك!*
كتبت أميرة الطحاوي

منذ نهاية السبعينات بدأ بوضوح الرحيل العراقي غرباً طلباً للجؤ لأسباب سياسية ليزداد عبر الثمانينات بالأخص في الدول الأوربية، ثم في فترة الحصار بعد غزو الكويت أضيفت أسباب اقتصادية للهجرة ليصل العدد لنحو 4 ملايين حسب مصادر الأمم المتحدة يعيش غالبهم في غرب أوربا والأمريكتين واستراليا، ومع الطفرة التكنولوجية أصبحت برامج المحادثة الفورية عبر غرف تضم عددا من المستخدمين في آن واحد ملاذا للبعض عراقيي الخارج ممن يفتقدون الوطن أوالصحبة، ومنذ العام 2000 تقريبا نشطت الغرف العراقية للمحادثة عبر برنامج البالتوك PALTALK وأصبحت بمثابة مقهى يومي توزع فيه السياسة بديلا عن الشاي يرتاده الكثيرون عقب انتهاء أعمالهم وربما منذ الاستيقاظ لهؤلاء الذين لا يرتبطون بدوام، يتمكن الموجودون من الحوار إما عبر المايكروفون- اللاقط أو عبر الكتابة التي تظهر على الشاشة، قبيل الحرب الأخيرة على العراق 2003 أصبحت معظم الغرف العراقية مسرحا للجدل حول التدخل الدولي لإسقاط صدام، وأثناء الحرب كانت بعض الغرف ملاذا لمن يريد الأمان النفسي بينما أهله بالداخل تحت قصف نيران الديموقراطية الأمريكية، ومؤخراً زاد للغاية معدل استضافة رموز سياسية ودينية خاصة قبيل الانتخابات العامة بالعراق التي أصبح يسمح فيها لعراقيي الخارج بالتصويت.

بينما يلتف الحبل حول عنق صدام كانوا هنا يوزعون الكليجة أويذرفون الدموع.
في 26 ديسمبر الماضي تصادق محكمة التمييز على حكم الإعدام الصادر بحق صدام وأخيه غير الشقيق برزان التكريتي ومساعده عواد البندر، كان هذا الموضوع وحده المهيمن على حوارات الغرف العراقية، وفور تسريبات صحافية بأن حكم الإعدام سينفذ في الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين قبل أن يصيح النهار، يهرع كثير من عراقيي الخارج لمقاهيهم الاليكترونية حيث يتعذر في ليل شتاء بارد كالثلاثين من ديسمبر الخروج لمتابعة الحدث بين عراقيين قد يبعد الواحد عن الآخر في دولة واحدة آلاف الأميال.
أبو ملك** المقيم بإحدى الولايات الأمريكية يعلن في غرفة “البرلمان العراقي” وغالب روادها من الشيعة والأكراد الذين يجيدون العربية، أنه لو تم الإعدام فعلاً فسوف يتوجه وأسرته لواشنطون دي سي وتحديداً للبيت الأبيض وذلك في أول Weekend – إجازة بعد تنفيذ الحكم، وأنه سيحمل طعاما وعصائر ليوزعها على المارة و سيرفع لافتة شكر لأمريكا، تتوالى التعليقات بين راغب في ترتيب الأمر معه، وآخر يعترض على شكر أمريكا التي دعمت صدام حتى عام 90، وثالث يسأل عن إجراءات تصريح إقامة مثل هذا الاحتفال بحدائق البيت الأبيض، أحد المتداخلين يذكر أسماء من قتلوا على يد النظام السابق ومتداخل آخر يناقش جدوى الإعدام بينما احتمال الانتقام من قبل بقايا مؤيدي صدام وارد كون الحكومة الحالية لم تنجح في بسط نفوذها أمنياً ..رد هجومي من متحدث آخر لا يفند منطقا بقدر ما يقفز للهجوم الشخصي، في الوقت المناسب دائماً ماتتدخل الفتاة صاحبة الاسم “شجرة التمر” مسئولة الحوار بالغرفة لمنع السباب أوالتسقيط في الحوار، في غرفة أخرى للأكراد الفيلية يتم تبادل التهاني مسبقاً مع إذاعة بعض الأغاني، تعليق مكتوب يعتبر صدام بطلا يجعل إحدى الحاضرات تنتحب على الملأ وتبكي شقيقيها “الذين أعدما ضمن آلاف في حملة التهجير القسري للفيلية نهاية السبعينات و بداية الثمانينات” .. في غرفة “مجلس النواب” الحديثة نسبياً والتي عادة ما تستضيف ممثلين بالبرلمان غالبهم عن الائتلاف الشيعي الموحد، حفلة أخرى ويطلب من الحاضرين إظهار رأيهم عبر الكتابة على الشاشة التي تمتليء بعبارات الفرحة وآيات القرآن وصور الورود والأكف المرفوعة للتحية، بينما الأهازيج الشعبية و الأدعية الدينية تدور صادحةً، بين الحين والآخر يطمئن أحد الحضور أنه اتصل بذويه بمحافظة ما لكن القلق ساد الغرفة لفترة كون الاتصالات ببغداد انقطعت، لتبدأ السيناريوهات حول ردود الفعل المحتملة للإعدام، لكن احدهم يطمئنهم أن قطع الهاتف عن العاصمة مقصود من الحكومة وليس عملا مدبرا، يصدقون التفسير ويعودون لاستباق الإعدام بينما يطلب أحدهم المايكروفون كل فترة لنقل خبر يتعلق مثلا بخروج صدام من غرفته أو نفي انتقاله من يد القوات الأمريكية للعراقية.

في غرفة “الديوان العراقي” والتي تعلن عن نفسها بأنها علمانية ليبرالية وتحظي بتواجد كبير من اشوريي أمريكا، وكانت من أنشط الغرف قبيل الحرب متأخرة عن البرلمان، وتأثر كثير من روادها بأطروحات الدكتور أحمد الجلبي زعيم المؤتمر الوطني العراقي، أصبح الآن الدكتور أياد علاوي زعيم الوفاق هو الشخصية المفضلة لغالب مديري الغرفة وروادها، في الأشهر الأخيرة تحظى الديوان بالعدد الأكبر من الرواد بالأخص من أمريكا، و في اليوم السابق لتنفيذ الحكم كان الحوار بالغرفة يغلب عليه الرفض كون إعدام صدام وحسب المتداخلين سيثبت أقدام الطائفية بالعراق حيث يرى سامر مثلا “أن الأحزاب الشيعية ستقدمه باعتباره إنجازا خاصا بها وسيدعم ذلك ما يعتبره التنكيل بالسنة والمبالغة في إظهار مظلومية الشيعة وسطوة رجال الدين وإيران” وقبل نصف نهار من موعد تنفيذ الحكم يزداد الاهتمام بنقل أي تفصيلة دقيقة عن مسار عملية الإعدام من الوكالات والفضائيات أكثر من الاهتمام بالإعلان عن موقف من تنفيذ الحكم الذي أصبح ساعتها في حكم الواقع.

شيوعيون ولكن!
وبينما كان رواد غرفة البيت العراقي العشرين مكتفين بعددهم المحدود، واصلوا كما كل مساء مناقشاتهم حول العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تحكم مسار الأحداث السياسية وهو برأيهم المنطق القادر على تفسير كل شيء بما فيه الحدث القادم بعد ساعات، مع إشارات لتداخل المحلي والعالمي، مطبقين ذلك على تحولات علاقة أمريكا بصدام في4 عقود حتى إيصاله للمنصة الحمراء بعد السجادة الحمراء!، وفي هذا اليوم يزورهم كما اعتاد كل فترة شادي العضو الدائم في الديوان المعروف بمشاغباته للإسلاميين والشيوعيين، ويطرح رأيه المعارض للإعدام فيختلفون معه أيضا وينفرد أحدهم بالمايكروفون ليقول أنه أيضا ضد الإعدام ولكن لأسباب أخرى متعلقة بالموقف من أمريكا “الإمبريالية”، أما غرفة الأنصار التي ترتبط بصورة ما بالحزب الشيوعي العراقي وتسمى “ينابيع العراق”وهي من الغرف القليلة التي لا تكتب عنوانها باللفظة الإنجليزية لكلمة العراق Iraq مما يقلل من روادها، لكن في هذا اليوم وصل روادها لنحو السبعين، حيث كان لديها مسبقا برنامجا غنائياً معلن عنها قبل أكثر من أسبوع، وهو ما أعطى فرصة أكثر للمتداخلين للإعراب عن مشاعرهم عبر الكلمات و الأغاني، وان كان الحوار لم يخل من توقع تصاعد العنف عقب تنفيذ الحكم.
يظهر قادر الذي لم يدخل غرفة عراقية منذ شهور لكنه عاد قبل الإعدام بساعات حتى يجد من يشاركه اللحظة! يدخل بغرفة الديوان بينما كانت غرفة البرلمان محطته الرئيسية قبل سنوات، كان قادر قد عاد للعراق عقب الحرب بشهر تقريبا، انتظم في مشاريع خدمية وتنموية بعضها مع أحزاب ومؤسسات ترفع شعار التقدمية لكنه فجأة وحسب ما يقوله في لحظات انتظار خبر الإعدام “اكتشفت أن الفساد وصل للنفس البشرية أيضا”، وعندما أخذ المايكروفون ويحكي ويسلم على من يتذكره تتوالى على الشاشة التعبيرات العراقية ” هاي وين جنت… ” مع بعض الشتائم لابتعاده عنهم والتي تفهم بمعناها المجازي لا الحرفي في الثقافة العراقية، فيشيع في الغرفة بعض المرح ما يلبث أن يزول مع متحدث آخر حول الإعدام الذي اقترب تماماً.

كعراقيين حتى لو اختلفنا – وحتما سيحدث- يجب أن نختلف لأسباب مختلفة كل عن الآخر!!
رافضو الحكم انقسموا إذن حول أسباب رفضهم وطالبو التعجيل بالحكم أيضاً انقسموا حول الطريقة الأفضل للتنفيذ لكن قطعاً أحدا لم يساعده خياله لتصور ما تناقلته فيما بعد المواقع الاليكترونية من حوار بين صدام ومن شهدوا الإعدام، وانقسموا أيضا في طريقة تعبيرهم ، فالمرحبين بالإعدام طالبوا بالغناء وأرسلوا عبر الشاشة صورا مبهجة بينما طالب فريق آخر بالقران، والرافضون ممن يرفضون صدام أيضا والحكم الجديد لم يسوغ لهم كثير أ تشغيل بعض أغاني مثل فوت بيها وع الزند خليها، وحتى الشتائم تراوحت بين سب الشخص المعارض للحكم والمؤيد إلى سب كل ما يمت له بصلة، وكان لصدام نصيب من الشتائم أوعبارات التقديس بين الحين و الآخر.

الباقي من الزمن ساعة
تتوالى الأخبار أن الحكم سينفذ قبل السادسة صباحا بتوقيت بغداد،تسجل غرفتان أعلى معدلات الحضور(250) يصبح دخول الغرفة بعدها قاصرا على المشتركين في خدمات إضافية مدفوعة للشركة الراعية لبرنامج المحادثة، الغرفتان هما الديوان وصوت الحق(والأخيرة روادها من العرب أيضا مهتمون بمتابعة أخبار العراق تحديداً أخبار العمليات العسكرية فيه ضد القوات الأجنبية والحكومة الحالية) وتقترب غرفة مجلس النواب من الديوان لكن كون غالب روادها من أوربا وبسبب فارق التوقيت فإن الصعود لم يستمر كثيرا، يزدادا عدد الغرف العراقية الموجودة في لحظة واحدة إلى 45 قبل الإعدام ب3 ساعات، بعض الغرف غير الدائمة تترك لأول مرة أبوابها مشرعة طوال الليل، تنشط الغرف المضادة للحكم، غرف المقاومة وغرف أخرى دينية ومذهبية بالأساس، سياسية لبعض الوقت، تقلب المعادلة ليصبح محور الحديث ” الإعدام” مع قدر لا بأس به من الكيل على أساس طائفي كلُّ ضد الآخر.

في الديوان يقوم نايس وهو من أقدم مديري الغرفة بالتنقل بين المحطات الفضائية مع تثبيت كاميرا الويب الخاصة به على شاشة التلفزيون أمامه، تتوالى التعليقات، يقول أحد الحضور أن صدام أعدم بالفعل منذ منتصف الليل، شجارات سريعة بسبب عدم الإحالة لمصدر لهذا الخبر، خبر هروب صدام يظهر كنوع من السخرية لكن هذا لا يمنع أحد المتاداخلين من تاكيده أن ذلك ممكنا مثلما هرب ابن شقيق صدام قبل أقل من شهر من سجنه بالموصل ومثلما تم تهريب المحكوم أيهم السامرائي وزير الكهرباء السابق من بغداد، يغير بعض الرواد أسماءهم المستعارة بأخرى مناسبة لموقفهم من الإعدام، رغم تكلفة ذلك في بعض الدول حيث لم يعد بعض خدمات البرنامج مجانية، الأسماء يختار احدهم لنفسه أسماء من قبيل صدام بطل وصدام شهيد، أبو عدي، وتختار إحداهن اسما لم تكن تدخل به كثيرا هو “سودة ومصخّمة” ربما معبرا بصورة ما عن شعورها في اللحظات الأخيرة قبل الإعدام، وإن كانت ستعود لاحقا بعد الإعدام لاستخدام اسمها الحقيقي وهو أمر نادر بالنسبة للفتيات العراقيات من مرتادي مثل هذه المنتديات الاليكترونية.


مع اقتراب ساعة الصفر ترتفع عدد الغرف التي تحمل اسم العراق أو صدام بالانترنت لتصل بعد الرابعة فجراً بتوقيت بغداد إلى45 غرفة، الطريف أن بعض الغرف العربية وحتى الأجنبية الخاصة بالتعارف وتكوين صداقات جديدة اختارت إن تضيف لاسمها اسم صدام لتحظى بعدد من الجمهور المتوافد، مثل غرفة viva saddam حيث أعقب اسم صدام أسماء بقية الدول العربية.. ففي لحظتها كان اسمه وحده كافياً لجذب الكثيرين ليتابعوا مع أكبر عدد ممكن من الحضور – متعاطفين معه أو ساخطين عليه- اللحظات الأخيرة في حياة الرجل.

_____*نشر محرراً في أصوات العراق.
** الأسماء المشار لها بالنص غير حقيقية

 
 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: