RSS

#jan25 صديقنا الجزائري عبدالعالي رقاد:’البلطجة’ و’الهزية’ قراءة في صورة الأحداث

06 فبراير

‘البلطجة’ و’الهزية’ قراءة في صورة الأحداث
   
عبد العالي رقاد
4q-5.htm

القدس العربي
كلمة البلطجية دخلت القاموس السياسي من بابه الواسع، لأنها ارتبطت بأعظم مظاهرات مليونية في العالم العربي، وهي مظاهرات ميدان التحرير في القاهرة. كنا نسمع كلمة بلطاجي وبلطاجية في بعض الأفلام أو المسلسلات، أو صفة يطلقها الكتاب لبعض السلوكات غير السوية…. حاليا ظهر الشخص البلطجي بلحمه ودمه في ميدان التحرير، ورآه العالم بأسره كيف يركب جوادا أو بغلا أو على ظهور الجمال… وباتت كلمة البلطجية أكثر قيمة مما كانت عليه في أذهاننا.. البلطجي بات يمارس السياسة ويشتبك مع المتظاهرين: صورتان متناقضتان تماما في ميدان التحرير، أوجزهما كما يلي:
متظاهرون شباب من كل الاتجاهات السياسية، نساء ورجالا وطلبة، تدفعهم الى التظاهر المطالبة بالحق والديمقراطية، ويستخدمون أرقى التكنولوجيات الحديثة من انترنت وفيس بوك وتويتر وهواتف نقالة، ويلبسون ألبسة حديثة وأنيقة تدل على مستوى من التحضر، ويرفعون شعارات بعينها تطالب بالتغيير وبالديمقراطية وتنحي حسني مبارك.
وفي الجهة المقابلة، توجد صورة عكسية، يقتحم ميدان التحرير مئات من البلطجية، أولا يركبون على الأحصنة والبغال والجمال، في صورة تذكر بحروب الغساسنة ضد امبراطورية الفرس، أو بدو الجزيرة ضد البيزنطيين في القرون السحيقة، ثم يحملون عصيا طويلة تشبه عصوات الرعاة، ويلبسون كوفيات حمراء بدوية وقمصانا ذات ألوان صارخة، كيفما اتفق على طريقة الأعراب اذا سكنوا القرى، والبستهم متسخة وتدل على خشونة في العيش، أما وجوههم فترى فيها سحنة الحياة البرية الصحراوية، وسمرة داكنة، قد تجعل من الصعب التصديق بأنهم من رجال الشرطة  المنحدرين من المدن.. هؤلاء على عكس المتظاهرين المطالبين برحيل مبارك: إنهم لا يرفعون شعارا سياسيا، ويقال انه قدمت لهم أموال للقيام بمهامهم، وهي السيطرة على ميدان التحرير، وفرض كلمتهم فيه، وهذه هي الوظيفة الاجتماعية للإنسان البلطجي كما تفهم، سواء في مصر أو خارجها.
قد تكون كلمة بلطجي من الكلمة العربية الفصيحة ‘بلطة’ فيقال رجع الرجل بلطة أي بدون مال، وليس هؤلاء الا قوم بلطة أي قوم مفلسون لا مال لهم، واذا صح هذا التعريف يكون البلطجية هم من يحاولون بكل الطرق الحصول على المال، وابتزاز الآخرين. ويكون ذلك باستخدام القوة والسلب وفرض أنفسهم في الشارع.
هذه هي صفات البلطجة في مصر، ولعل هذا ينطبق على صورة مماثلة نقلتها الكاميرا خلال الهجمات التي شنها الجيش السوداني في اقليم دارفور، وظهرت عناصر ما يسمى الجنجويد، تشبه تماما ما رأيناه في ميدان التحرير بالقاهرة: هؤلاء الجنجويد يركبون أيضا الخيول والجمال ومهمتهم السلب والنهب واستخدام العنف مقابل المال، واستخدمهم نظام عمر البشير لتأليب الأهالي ضد المعارضة في دارفور، ونشر الفوضى واللاأمن بين سكان الإقليم. نفس المنطق استعمله النظام المصري لشق صف المتظاهرين وزعزعة وحدتهم. كلمة جنجويد تعني أيضا أشخاصا من الأعراب غير المتحضرين وذوي السطوة والقوة، ويقال باللغة المحلية ‘نذهب نجنجد’ أي نخرج للسلب والنهب، وقيل أيضا أصلها من ‘جن جاء على جواد’ ويعرفها بعض السودانيين بأن الجنجويد هو بدوي يركب جوادا أو بعيرا ويحمل رشاشا، ويقوم باحراق المنازل وسلب وترويع الآمنين فيها مقابل المال.
لا يوجد مقابل لكلمة بلطجية في المغرب العربي على حد علمي، لكن يستخدم الجزائريون والمغاربة كلمة ‘هزية’ ومفردها ‘الهزي’ بتفخيم حرف الزاي: تصف هذه الكلمة الرجال من البطالين الحشاشين الذين يفرضون ارادتهم في الحي أو الشارع بالقوة، وعادة ما يكونون من أصحاب الأوشام الظاهرة على أطرافهم، ويشتركون كلهم في حملهم للسكاكين والسواطير، خاصة ليلا، لقطع الطرق والسرقة، اذا احتاجوا الى المال. تقول احدى أغاني الراي التي تصف مدينة وهران الجزائرية
‘اييه في بلاد وهران كثروا الهزية الهزية الهزية
هالآخر مناه واحد من لهيه
يظلوا يطاوعوا يانا في البوليسية
واذا طاح الليل انا نخاف عليه’.
يعني هذا الوصف أنهم يحتلون المكان وأن سلوكهم وضيع وغير سوي، لكنهم ‘يطاوعوا البوليسية’ بمعنى يتربصون بافراد الشرطة خوفا أو تحديا… قد يكون هذا السلوك سلوكا بلطجيا يماثل المفهوم السائد عن هذه الفئة في مصر. لم يسبق لي أن رأيت الجمال تدخل المدن أو رجالا على الخيل يخوضون معتركا سياسيا، كما شاهدت ذلك في ميدان التحرير.. لكنني أتذكر أن الجيش في الجزائر حينما اراد ترشيح عبد العزيز بوتفليقة رئيسا للجزائر، سمح له بانشاء التجمع الوطني الديمقراطي، الذي اكتسح أغلبية مقاعد البرلمان والبلديات عام 1997، ولم يمض على تأسيسه ستة أشهر، لكن السلطة حينها لجأت الى حشد مئات الآلاف من ‘الهزية’ أو البلطجية بالتعبير المصري عبر التراب الجزائري واستأجرتهم، لكن على عكس الطريقة المصرية، بلطجية بوتفليقة نقلوا من المقاهي والحانات والغابات والحواري، ومنحوا مكاتب والبسوا اربطة العنق وأصبحوا أكثر أناقة، وأجلسوا على مكاتب محلية لحزب بوتفليقة في كل بلدية ومدينة، بشكل أثار الاستغراب لدى عموم الناس، وكان ذلك مقابل المال، أي المال الفاسد، ونقلهم التزوير الى العمل السياسي.
البلطجة سواء كانت مصرية أو جزائرية أوسودانية، في الأخير تعبرعن أداة ما يمكن استخدامها تكتيكيا، من دون مبالاة أو مراعاة لما يمكن أن ينتج عن استخدامها.
ففي مصر عاد مشهد البلطجية ليــــضفي نوعا من ‘المظهر المضحك’ في ‘ثورة ميدان التحرير’ الجارية حاليا في مصر، حينما يرى المشاهد الزج بهذه الحيوانات في صراع في قلب المدينة، مشهد يعود بنا الى القرون الوسطى. وفي السودان عاثت البلطجية من ميليشيات الجنجويد فسادا، الى درجة لم يعد نظام البشير قادرا على السيطرة على افعالهم التي ادت الى مقتل الالاف في دارفور. وفي الجزائر دخل البلطجية أو ‘الهزية’ ميدان السياسة وركب الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على ظهورهم بالتزوير، لكنهم بقوا هناك، وتسببوا في أكبر موجة فساد ونهب لأموال تشهدها الجزائر في تاريخها، وأصبحوا من النخبة المقربة من السلطة رغم ماضيهم الوضيع.
والخوف الأكبر أن يستمر نظام حسني مبارك في مصر في حشد ‘البلطجية’ الى درجة يستفحل أمرهم كما وتكثر جرائمهم، كما كان الحال في الدول المذكورة الأخرى.

‘ كاتب وصحفي جزائري يقيم بباريس

[Image]

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: